عبد السلام أقصو
المرض ابتلاء من العزيز الجبار ، كانت بدايته مع أعراض طفيفة و بسيطة ، تضنها في البداية أعراض عادية ، تكمن في انتفاخات على مستوى الوجه وحاشية العينين والبطن مع آلام في البطن وأسفل الظهر ، ظننتها أعراض للمعدة أو الأمعاء ، لأقصد مستشفى الحي بإفران تم إعطائي ورقة دواء للمعدة بالإضافة إلى تحليلات طبية ، بعد اقتناء الدواء وتناوله ، صارت هناك أعراض أخرى ، انتفاخ كبير في القدمين والجهاز التناسلي، بالإضافة إلى صعوبة المشي كأنني مصاب بالسمنة من شدة الإنتفاخات.
بعد إجراء التحليلات وإعادتها إلى مستشفى الحي ، لم يتم تحديد أسباب هذه الأعراض من طرف الطبيب ، اكتفى فقط بإرسالي إلى المستشفى الإقليمي بآزروا ، تخصص ” الطب الباطني ” والذي يعمل يومين في الأسبوع ، الاثنين والأربعاء ، من خلال التحليلات الطبية تبين أن الأعراض ” لمرض القصور الكلوي ” من خلال نفس الطبيب و طبيب اختصاصي بمدينة مكناس (قطاع خاص) ، لكن هذه التخصصات لا توجد سوى في المستشفيات الجامعية ، و في القطاع الخاص تتطلب تكاليف باهظة ، وللأسف جهة مكناس تافيلالت رغم أنها من أكبر الجهات مساحة بالمغرب ، إلا أنها لا تتوفر على مستشفى جامعي فالمرضى يتم نقلهم إلى مستشفى إبن سينا بالرباط ، وغالب الحالات التي تعاني أمراض أو تستدعي عمليات جراحية مستعجلة ، إذا كان لها في العمر بقية تصل إلى المستشفى الجهوي بمكناس ، وغالبية الحالات تتوفى في الطريق.
الوجهة هنا مستشفى إبن سينا رغم صعوبة المشي و الآلام المصاحبة له نظرا لانتفاخ أطراف القدمين ، وصلت متأخرا بعض الشيء لم أجد سوى قسم المستعجلات ، حالات مختلفة ترد للمركز ، منها حوادث السير ، الشجار الضرب والجرح والمترتبة عنه عاهة ، لأول مرة في حياتي أسمع وأرى فيها صرخة شخص فارق الحياة كانت في هذا المستشفى و الصرخة كانت لامرأة ، كان يوما مشئوما ، وبعد وصول دوري وملاحظة حالتي والتحليلات الطبية من طرف طبيبة المستعجلات ، تم إعطائي موعدا في الطابق الخاص بمرضى الكلي بذات المستشفى.
حالات مختلفة ومتفاوتة من القصور الكلوي ، منهم المقبل على المبيت بالمستشفى يحمل أفرشة و أغطية ، ومنهم من ينتظر دوره لزيارة الطبيب ، حراس الأمن الخاص يحاولون تنظيم الحركية والجو الملائم لاستقبال المرضى ، فلا يمكن إنكار أن رجال الأمن الخاص يحتاجون إلى دورات تكوينية ، من أجل تقديم خدمات في المستوى، خاصة في المؤسسات الصحية ، فلا مقاعد للجلوس ، تبقى واقفا إلى أن يحن دورك ، إحدى السيدات ، امرأة كبيرة في السن لم تجد مكان تجلس فيه ، افترشت حقيبتها ، فإذا بالحارس ” الشريفة وقفي ، ماتجلسيش تما ، أيغوتوا علينا ” .
تمكنت من الحصول على تأشيرة الاستشفاء في المركز كما يقال بالعامية ” بالريق الناشف ” لأصادف سوء الحظ مرة ثانية ، المكان الذي كان مخصصا لي ، قد تم ملؤه ، ولم تخجل إحدى الطبيبات كانت وللأسف محجبة تتحدث بلكنة شمالية ، وبأسلوب نابي ، كان آخر كلامها وكأن المستشفى ملك لها ، ” ما لقيتي ها ابن سينا تجي ليه ” ، لم أحملها ذنب ما قالت ولا الأسلوبية فالتربية من البيت وكما يقال ” المربي من عند ربي ” ، ووزرها على من نصبها وأمثالها في مناصب حساسة ، فالنسبة الكبيرة من العلاج تأتي من التواصل الإيجابي مع المريض ، هذا ما يفتقر إليه أمثال الطبيبة سالفة الذكر، يحس المريض و كأنه في قبضة الشرطة ..
وبعد شكاية تقدمت بها إلى مصلحة الشكايات وبعد مشقة وعناء ، ثم حجز سرير لي ، وكما يقال بالعامية ” بنادم حجر و طوب “ فهناك طاقم طبي يستحق الشكر والثناء، يعمل بتفاني و إخلاص ، يسعف ما استطاع ، وبالكلمة الطيبة المريض يرتاح و لو لم تقدم له شيء ، رغم الإمكانيات المحدودة ، ضعف الطاقة الإستعابية ، ولازال هناك نوع من الزبونية .
تسمع في قاعة المرضى “عزيزة ” وتتساءل على من يطلق هذا الاسم طبيبة ؟؟ ممرضة ؟؟ لا ، إنسانة تكسب حب وعطف المرضى بالمعاملة الحسنة ، إنسانة تملك ملكة الإنسانية و الرحمة ، تساعد الصغير والكبير المحتاج والضعيف، تساعد الناس ليس من أجل المال ولا أي شيء ، بل الإحساس الإنساني النبيل الذي يفتقر إليه الكثير ، هي إذن عاملة النظافة بقسم أمراض الكلي ، التي تستحق كل الاحترام والتقدير .
كل المرضى بالقاعة منهم من قام بكافة التحاليل الطبية اللازمة لتشخيص حالته و نوعية مرضه، لا يستطيع الحراك بفعل ” التخدير ” على مستوى الظهر لإجراءه لعملية ” شفط لعينة من الكلية لتحليلها ، وعند تبادل أطراف الحديث إما مع الزوار أو المرضى بينهم ، تسمع كلمات ” يا رب لا تحط شي مسلم هنا ” ، ” الله يرزق المسكين صحيحتوا ” ، إلى غيرها من الدعوات ، تصدق القولة العامية “ما يحس بالمسكين غير المسكين بحالوا “.
عناصر طبية رغم صغر سنها ، إلا أنها تتوفر على كفاءة وتشتغل بمهنية عالية حتى لا نحتقر الجانب الصحي ببلدنا ، فما نحتاج إليه الحكامة والتسيير الجيد ، فقطاع الصحة لا زال مرهون من طرف اللوبيات الفاسدة ، على ذكر الطاقم الطبي ، لا يسعني سوى التقدم بالشكر والامتنان لأطباء المركز وبالخصوص للدكتور ” خالد ” الذي وللأسف انتقل من مستشفى إبن سينا ، قدم لي دعما كبير و خفف عني عبئ التنقل من إفران إلى الرباط ، يا ليت جميع الأطباء يكونون بمثل هذا الإنسان النبيل .
القصور الكلوي مرض، يقسم في الطب إلى مستويات، يتطور كلما قوبل بالإهمال، من طرف المريض أو الطاقم الطبي المشخص، بقولهم حالتك ليست بمستعجلة، يجب على المريض أن يكون على فراش الموت للتدخل ، والقصور الكلوي مرض كلما شخص باكرا كلما كان التداوي و الشفاء فعالا .
مناطق المغرب الغير النافع هكذا صنفت اقتصاديا ، من ضمنها منطقة مكناس تافيلالت ، أكثر عرضة لمجموعة من الوسائل التي قد تؤدي إلى هذا المرض ، اعتمادهم على المياه الجوفية رغم برودتها إلا أنها تحتوي على مواد كلسية وأملاح تترسب في الكلي ، ارتفاع ضغط الدم و مرض السكري وتناول الأملاح و المملحات بكثرة ، ومرض الكولسترول الذي يسببه الإفراط في تناول الدهون من شحوم هذه الأخيرة التي يتم الإقبال عليها من طرف الساكنة الأطلسية كمصدر من مصادر الطاقة الحرارية للجسم لمواجه البرودة الشديدة خاصة في فصل الشتاء ، بالإضافة إلى غياب أوساط ممارسة الرياضة … إلخ
مكناس تافيلالت تعاني ضعف شبكة المواصلات و مشكل النقل ، فالمبيت في الرباط بالنسبة للمرضى ضرورة ملحة ، خاصة وأن الحافلات التي تدور في الأطلس المتوسط تعاني الهرم والشيخوخة تحتاج إلى ” دفعة لله ” تتطلب من أربع إلى خمس ساعات من إفران إلى الرباط أي أنها تصل إلى ” محطة القامرة ” بالرباط في الساعة الثانية و نصف ، تصادف ساعة خروج الطاقم الطبي ، الاستشفاء يتطلب ساعات ومصاريف كبيرة ، الشيء الذي يجعل من المريض ينهك أو يتهاون على العلاج ، مما يترتب عنه إما الفشل الكلوي الذي يتطلب الكلية الاصطناعية ” الدياليز” ، أو فقدان الكلية بصفة نهائية .
تقريب الخدمات من المواطنين ، هذا ما تحتاجه ولاية مكناس تافيلالت ، و تنتظره ساكنة تعاني العوز والفقر، وتعاني صعوبة التضاريس و قساوة المناخ ، يئست من حياة الترحال من أجل الحصول على ابسط الحقوق الدستورية ، والمدرجة ضمن حقوق الإنسان حق التطبيب والعلاج.
أليس من حق دافعي الضرائب أبناء الأطلس المتوسط الحصول على مستشفى جامعي في أكبر ولاية بالمغرب مساحة ؟؟ ،
ببناء المستشفيات و الطرق والمنشآت العامة وتقريب الخدمات من المواطنين تقام “الموازين”، وليس بمهرجان يهدر أموال باهظة ، تسرب إلى الخارج عبر الفنانين الأجانب ، في حين لا زالت الحكومة تبحث عن ” الفويت فين كاين ” .
يا حكام أمتنا
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء
المصدر: http://www.hispress.info/59827.html#ixzz2q31TenNR

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق